المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وَقْفَة فلسطينية مع الذات!



جواد البشيتي
26/06/2007, 02:17 PM
وَقْفَة فلسطينية مع الذات!

جواد البشيتي

رئاسة السلطة الفلسطينية، وبعد، وبسبب، الكارثة التي حلَّت بالشعب الفلسطيني، وقضيته القومية، في الرابع عشر من حزيران الجاري في قطاع غزة، كانت في حاجة إلى أن تُعيد الدول العربية تأكيد اعترافها بها على أنَّها هي وحدها التي تُمثِّل السلطة الشرعية الفلسطينية، فما قامت به "حماس"، كلها أو بعضها، كان ينبغي لرئاسة السلطة الفلسطينية (ومؤيِّديها) أن تُظْهِرَه، عربيا ودوليا، على أنَّه النهاية للشرعية السياسية التي استمدَّتها "حماس" من صندوق الاقتراع. وعليه، عبَّرت رئاسة السلطة الفلسطينية، وإنْ على نحو غير رسمي، عن رفضها لتأليف لجنة عربية لـ "تقصِّي الحقائق"؛ لأنَّها رأت في هذا "التوازن النسبي" في الموقف العربي من طرفي الصراع الفلسطينيين نَيْلاً من قوَّة شرعيتها التمثيلية، ومحاولةً لإظهار ما حدث في قطاع غزة على أنَّه حَدَثٌ أو تطوُّرٌ يحتاج إلى لجنة عربية تتوفَّر على تقصِّي حقائقه. وعليه، أيضا، أعلن رئيس السلطة الفلسطينية رفضه القاطع لـ "الحوار" مع "حماس" قبل أن تلبِّي شروطا ومطالب ليس في مقدورها أبدا تلبيتها.

ثمَّ وقعت "المفاجأة".. فالرئيس المصري حسني مبارك أعلن في القمة الرباعية في شرم الشيخ أن لا حلَّ إلا بـ "الحوار" بين طرفي النزاع. ووقعت "المفاجأة الثانية"، فرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس آثر الصمت، فلَمْ يُعْلِن رفضه أو تأييده لدعوة الحوار تلك، فما كان من اولمرت إلا أن "توعَّد" رئيس السلطة الفلسطينية إنْ عاد إلى "الشراكة السياسية (الحكومية)" مع حركة "حماس".

وأحسب أنَّ الرئيس عباس لا يمكنه في الوقت الحاضر أن يلبَّي دعوة الرئيس مبارك إلى بدء حوار مباشِر وعلني مع حركة "حماس"؛ ولكنه، في الوقت نفسه، لن يقف ضد ما يمكن أن تقوم به القاهرة من مساعٍ في هذا الصدد، فرئاسة السلطة الفلسطينية (ومؤيِّديها) لها مصلحة اليوم وغدا في اغتنام فُرَصٍ عدة لتغيير "الواقع" بما يُرجِّح كفَّتها على كفَّة "حماس" في أي حوار يمكن أن يُجرى مستقبلا توصُّلا إلى حل للأزمة الداخلية الفلسطينية، فحكومة سلام فياض لم تحقِّق حتى الآن ما ينبغي لها تحقيقه إذا ما أريد لما حدث في قطاع غزة أن يأتي بـ "ثمار حلوة" للرئاسة الفلسطينية (ومؤيِّدها) وبـ "ثمار مرَّة" لحركة "حماس".

الكرة الآن ليست في ملعب عباس أو هنية، وإنَّما في ملعب اولمرت وبوش، فها هي حكومة سلام فياض تؤكِّد قولا وفعلا أنَّها مستوفية لكل شروط "اللجنة الرباعية الدولية" لإنهاء الحصار الدولي المالي والاقتصادي والسياسي لـ "الحكومة الفلسطينية"، ولبدء، أو استئناف، الفلسطينيين للتفاوض السياسي مع إسرائيل التي ينبغي لها أن تقوم بأعمال يمكنها أن تُقْنِع غالبية الفلسطينيين بأنَّ لهم مصلحة حقيقية في الخيار الذي يمثِّله الرئيس عباس، وفي نَبْذ الخيار الذي يمثِّله مَنْ قام بما سُمِّي "التحرير الثاني" لقطاع غزة.

إذا كان الرئيس بوش يرغب حقا في أن يرى "دولة فلسطين" تقوم قبل مغادرته إلى الأبد البيت الأبيض فإنَّ عليه الآن أن يسعى إلى تذليل كثير من العقبات (الإسرائيلية في معظمها وفي المقام الأول) من طريق تحقيق هذه الرغبة. ولا شكَّ في أنَّ هذا يعني أوَّلا أن تتمكَّن، أي أن تُمكَّن، حكومة سلام فياض من أن تجعل الضفة الغربية في حالٍ جيِّدة على المستويين الاقتصادي والأمني؛ ولكن من غير أن تَظْهَر على أنَّها حكومة غير معنية بمصالح مواطنيها في قطاع غزة، فإنَّ من الخطورة بمكان أن تتصرَّف تلك الحكومة بما يَجْعَل الفلسطينيين يفهمون "الإيجابي" في الضفة و"السلبي" في القطاع على أنَّهما أمران علاقة أحدهما بالآخر علاقة السبب بالنتيجة.

وإذا كان من اتِّفاق جيِّد يمكن أن تتوصَّل إليه حكومة سلام فياض فهذا الاتِّفاق إنَّما هو الذي يُمْكِنها وينبغي لها أن تتوصَّل إليه مع الحكومة المصرية، والذي بموجبه يتحوَّل معبر رفح، الذي تُشْرِف على جانبه الفلسطيني رئاسة السلطة الفلسطينية مع "مراقبين دوليين"، وعلى جانبه المصري الحكومة المصرية، إلى "معبر وحيد" للمساعدات الدولية العاجلة ( من غذاء وماء ووقود وأدوية..) فقد حان للفلسطينيين ولإسرائيل إغلاق كل معبر حدودي بين قطاع غزة والدولة اليهودية.

وإلى أن يصبح قطاع غزة في إدارة حكومة فلسطينية معترفٌ بها عربيا ودوليا لا بد لحكومة سلام فياض من أن تسعى في عقد اتفاقيات يُقام بموجبها من "الوجود الدولي" في قطاع غزة ما يساعد في تلبية حاجات أهله والحفاظ على مصالحهم. وأحسب أنَّ حكومة هنية "المُقالة" يجب ألا تقف أي موقف يمكن أن يُظْهِرها لأهل القطاع على أنَّها غير مكترثة لحاجاتهم ومصالحهم، ولكل ما يمكنه أن يساعِد في تطبيع عيشهم اليومي.

وحتى لا يذهب الفلسطينيون ضحيةً لأوهام جديدة لا بأس من أن يُوجِّه الرئيس عباس إلى الرئيس بوش السؤال الآتي: ما هي الشروط التي ينبغي لرئاسة السلطة الفلسطينية استيفائها حتى يصبح ممكنا عمليا أن تقوم "دولة فلسطين" قبل مغادرته البيت الأبيض؟ إنَّ أخشى ما أخشاه أن تأتي إجابة الرئيس بوش، إذا ما أجاب، دليلا على أنَّ "دولة فلسطين" التي يرغب الرئيس بوش في قيامها قبل مغادرته البيت الأبيض، على ما زعم اولمرت، هي الدولة التي توافِق في محتواها وشكلها تلك "المبادئ" التي تضمَّنتها "رسالة الضمانات" التي سلَّمها إلى شارون!

الفلسطينيون، في تجربتهم الجديدة في الضفة الغربية، يحتاجون إلى حلِّ كل الميليشيات ولو ادَّعت أنَّها، في وجودها ونشاطها، تلبِّي حاجة الشعب الفلسطيني إلى "المقاومة العسكرية"، فالسلاح، كل السلاح، يجب أن تحتكره، حيازةً واستعمالاً، المؤسَّسات العسكرية والأمنية الشرعية؛ وقد حان للفلسطينيين، بدءا من الضفة الغربية، أن يؤسِّسوا لقضيتهم القومية من أشكال المقاومة ما يمكن إثبات جدواه لتلك القضية، فالشعب الديمقراطي المنظَّم يمْكنه أن يُطوِّر مقاومة قومية تُعطي من النتائج ما أخفقت في الوصول إليه كل الميلشيات التي شرعت تتحوَّل مع أسلحتها إلى قوى تَدْفَع كل خلاف سياسي إلى حافة الاقتتال والحرب الأهلية.

على أنَّ حل الميليشيات جميعا يجب أن يقترن بإقامة "شرعية عسكرية وأمنية" مختلفة، فالفلسطينيون، بدءا من الضفة الغربية، لا يحتاجون إلا إلى "قوَّة صغيرة من الشرطة المدنية"، التي لِصِغَرِها عددا وعدَّة، ولكونها تؤدِّي عملا بعيدا عن السياسة، تغدو بمنأى عن كل "نفوذ لا فلسطيني"، فحلُّ الميليشيات الفلسطينية يجب أن يَقْتَرِن بحلِّ "الميلشيات الأجنبية".

السلطة الفلسطينية إنَّما قامت بوصفها جزءا من "حلٍّ انتقالي مؤقَّت"؛ ولا بدَّ لها، بالتالي، من أن تهيئ نفسها، وشعبها، والمجتمع الدولي، لـ "الخيار الأسوأ".. خيار أن تستمر الولايات المتحدة وإسرائيل في سعيهما إلى تحويل "الانتقالي" و"المؤقَّت" إلى "نهائي" و"دائم". وهذا إنَّما يعني أن تقوم منظمة التحرير الفلسطينية، بوصفها الممثِّل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، بتعيين موعِد لاستنفاد السلطة الفلسطينية شرعية وجودها، فالحفاظ على "البقية الباقية" من "واقع الحل الانتقالي المؤقَّت" ليس بمبرِّر للمحافظة على "المزاوجة السيئة".. المزاوجة بين "بقاء السلطة إلى الأبد" و"بقاء الحل النهائي غائبا إلى الأبد".