المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رواية الطوق - 8 -



غريب عسقلاني
25/10/2008, 06:39 PM
غريب عسقلاني – رواية الطوق – 8 -

ـ 8 ـ

منتصف الليل:

الأجساد تتكوم في الغرفة، والصمت ركامات في العيون، زوجة الأستاذ فهيم تسوي الأغطية على الصغار، وحسنة تحدق في زوجة الغاوي، يسكنها الرعب وتشيح بعيداً، والمرأة تحوم في فضاء الغرفة، تحاور مخلوقات غير مرئية، تضحك وتبكي وتزغرد، ثم تنكمش حول نفسها مثل دودة، تزحف حتى تلتصق بحسنة، تربت على صدرها بأمومة:
- يارب يشبع أولادك من هالصدر الحلو يا سعدية.
تهمس في أذن حسنة:
- يارب تولدي قبل الفجر.
ثم بلهجة واثقة
- ميلادك لا يتأخر ان شاء الله قبل الفجر.
الغرفة دموع ترد على دموع، الأستاذ فهيم يتمتم في زاويتة، "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ضاع عقل المرأة".
أصوات السيارات على الشارع تقترب من الزقاق, قالت زوجة الغاوي:
- الغاوي راجع من الزفة.
دخل الغاوي، تكوم بجانب الأستاذ فهيم، والصمت ضيف ثقيل حط في الغرفة.

***

آخر الليل

تعود جلبة الأصوات العرجاء، والأقدام الثقيلة، باب دار أبو محمود يفتح ويغلق، يغرق الزقاق في الصمت، والحيرة مع سرسعة الريح وهدير البحر حضور، العيون تسأل دون صوت:
- هل رجع أبو محمود وابنته سميرة
ضربات على الحائط في بيت الجعباص، يسأل ما ينتظرون في بعضهم، من يرد على من يا جعباص، دقت حسنة على الجدار، رد الجعباص بدقة وتربع الصمت من جديد.

***

الصبح يتنفس
الغاوي تعاوده أيام البحر، واستقبال الفجر في الماء والصيد وفير، الخشوع أمام الخالق، حتى الموج يهدأ أمام الفجر، واليوم يتنفس الفجر، ويضيق الصدر عن التنفس، وهرولة الجنود في الزقاق، لماذا عادوا وقد تأكدوا من دفن سعدية وأخذوا إقراراً بعدم إقامة جنازة أو ميتم.
القتل منكم، والموت على أياديكم. أما الجنازة فلم يشارك فيها غير الجعباص، وربما بعض الرجال، مجبرين جلبوهم عنوة أو جواسيس والعياذ بالله.
الأستاذ فهيم يسأل زوجته في زاوية الحجرة.
- ليش راجعين؟
رد الغاوي وكأنه يجيب على سؤال آخر:
- تفو على العمر بعد اليوم.

***
النهار ضحى
وصوت الميكرفون يعلن ولمرة واحدة:
يسمح بالتجول وحتى إشعار آخر.
الجعباص أول من خرج إلى الزقاق، ولكنه عاد إلى الدار مذعوراً، ردته العلامات على الجدران، دهان معروف للناس، كل بيوت الزقاق عليها نفس العلامة..
هل يفعلونها؟ وخرج إلى الزقاق ثانية وقد ربط لسانه، وقد رأى الرضوض والكدمات على وجه سميرة، ورم العين أزرق لا تخفيه خصلات شعرها المنفوش.
- ايش اللي صار.
قالا هما معاً، ماذا جرى لك يا سميرة، وماذا جرى في الزقاق يا جعباص، سكان الزقاق يخرجون من بيت الغاوي، هل سجنهم اليهود في بيت واحد، الغاوي آخر من خرج إلى الزقاق، ليس هذا محمد الغاوي، واندفعت إليه ارتمت على صدره، وأطلقت لدموعها العنان، أخذت أصابعه تجوس في شعرها. زوجة الغاوي تأخذها الى حضنها:
- سعدية حبيبتي.
- أنا سميرة يا خالتي، رجعونا في الليل.
- عيب عليك يا بنت، لحقتي تنسى أمك يا بنت.
وقرصتها من خدها.
- ليش عريسك ما رجع معك.
جحظت سميرة، طق عرق في قلبها، وانفلتت من حضن المرأة تنشج بحرارة.
ينعق الميكرفون:
على جميع سكان الزقاق، الخروج من البيوت خلال نصف ساعة.
الناس يتدافعون إلى الزقاق من كل الحواري والأزقة.
قرر اليهود نسف الزقاق.
الجعباص يدفع الكارة، ويسحب البغل خارج الزقاق، لم يربطه، وعاد يحتضن الصغار من بيت أبو خليل تتبعه حسنة، صوته آمراَ:
- اقعدي مع إخوتك وخذي بالك منهم.
أبو محمود يحتضن أولاد الغاوي في عب عباءته، الأستاذ فهيم يقفز من الزقاق إلى الزقاق يرمي ما استطاع من فراش ومواد طعام، سميرة تساعد الجعباص في السيطرة على زوجته، والمرأة ترفس وتخربش تنفلت منه، يلحق بها يلصقها إلى الجدار فتخور.. يونس يخترق الناس، يرمي بنفسه على صدر سميرة ويبكي.
- أين جدتي، وليش ما رجعت.
أخذته الى حضنها وراحت تبحث في الناس عن أم صابر.
- أمي عايزاها، أمي تصرخ وتعض اللحاف، قاعدة بتولد
حسام يسحبه من كم قميصه.
- عليهم يا يونس، أنا حوشت حجار عليهم.
يونس يتوسل سميرة.
- أمي تولد قاعدة لوحدها.
خالد يندفع يخطف يونس من حضنها، ويجذبها، يهرولان بعيداً، الناس يندفعون بعيداً عن الزقاق، الأنفاس معلقة بالبيوت الخمسة، انفجار مكتوم كان زقاقاً وصار مساحة عريانة وكوم ركام وفروع دالية تصعد من بين الحكام يعفرها التراب والغبار، وابتسامة صفراء على شفتي أبو محمود "دالية من كروم بربرة هل يخنقها غبار البارود".
الأطفال والصبيان ينطلقون خلف البغل الذي هاج مع صوت الانفجار ومضى شموصاً في الأزقة.
الجعباص يساعد أبا محمود على النهوض، العجوز يتمتم "لاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم". ثم منبهاً:
- الحق البغل يا جعباص.
- إذا باقي له عمر رائحة الزقاق بترجعه.
زوجة الأستاذ فهيم تصرخ على ابنها الذي لحق بالصبيان:
- ارجع يا حسام الله يغضب عليك.
الأستاذ فهيم يردع زوجته.
- اتركيه يفش غلة يا امرأة.
انتهت
غزة صيف 1978