عن : " العرب اونلين "

ملامح القصة المصرية الخالصة عند يوسف إدريس فى اليقين المراوغ

شريف عبد الله

إن تميُّز يوسف إدريس فى فن القصة القصيرة له أسبابه الموضوعية، وبواعثه الذاتية كذلك، فحين نشر قصته الأولى "أنشودة الغرباء" فى عام 1950، لم يضمها لأى من مجموعاته، كان نجوم القصة القصيرة هم محمود كامل، وإبراهيم الورداني، ومحمود البدوي، وسعد مكاوي، وأمين يوسف غراب، وسواهم "أما يحيى حقى ــ هذا الرائد العظيم ــ فقد كان كعادته متوارياً فى الظل، وكان ابتعاده الدائم عن القاهرة سبباً آخر لحضوره المحدود"، وكانت قصصهم ــ فى معظمها ــ ذات طابع رومانسى شاحب، تدور حول "عذاب المحبين" أو تحكى حكاية ذات أحداث غريبة، لا تخلو من مفاجأة يخفيها الكاتب وراء ظهره حتى اللحظة الأخيرة، وكثير منها يدور فى أرض غريبة، أو داخل القصور والفيلات فى أحياء القاهرة الجميلة، وأبطالها دائماً من الطبقة العليا فى المجتمع، أو التى تليها فى السلم الاجتماعي، أى الشرائح الكبرى من الطبقة الوسطي، وهى مكتوبة ــ على الأغلب ــ بلغة فصحى تلتزم قواعد البلاغة التقليدية السائدة، ويدفعها طابعها الرومانسى إلى المبالغة فى تصوير المشاعر والمواقف، مبالغة تنأى بأبطالها عن أن يرى القارئ فيهم أناساً يعرفهم، أو مشاعر يمكن له ــ ولسواه من "صغار الناس" ـ أن يمارسها .

هذا ما يراه الناقد فاروق عبد القادر فى كتابه "البحث عن اليقين المراوغ: قراءة فى قصص يوسف إدريس" الذى أعادت دار "كتب عربية" فى القاهرة نشره أخيراً بعد ثمانى سنوات من صدوره للمرة الأولى عن دار الهلال. ويوضح فاروق عبد القادر أن يوسف إدريس لم ير فى هذا كله ــ من القصص التى كتبها مجايلوه وسابقوه ــ إلا اقتباسات يقوم بها هواة عن مادة أدب أجنبي، أو بتعبيره هو: إن الشخصيات وطريقة القص، وموضوع القصة، كانت كلها مختلفة عن الحياة الواقعية اختلافاً كاملاً . وأخذ يوسف على عاتقه ــ هو الطموح الذى لا يقف فى وجه طموحه شيء أو أحد ــ مهمة ثقيلة؛ هى أن يقدم "القصة المصرية الخالصة"، وحين بدأ نشر قصصه فى "المصري" ــ أوسع الصحف المصرية انتشاراً آنذاك ــ لفتت قصصه الأنظار، من حيث اختلاف أبطالها وأسلوب صياغتها جميعاً، أما حين صدرت مجموعته الأولى فى عام 1954 ــ وهى لم تضم كل القصص التى نشرها خلال تلك السنوات الأربع ــ فقد كانت حدثاً تفجر فى الحياة الأدبية، وبدا أن يوسف قد حقق قدراً عظيماً من مهمته الثقيلة، وأنجز بعض مشروعه الطموح.

ومن ناحية ثانية ــ يقول فاروق عبد القادر ــ فلا شك فى أن التكوين الشخصى ليوسف إدريس كان له دور فيما صنعه، فهو القلق الساخط المتمرد المتململ المندفع إلى الفعل، غير القابل للتكيف أو المواءمة أو التوصل لأنصاف الحلول وأنصاف الأفكار والمواقف، الذى ما أن يقتنع بشيء حتى يحمله على عاتقه، ويمضى يبشر به، ويخوض المعارك فى سبيله، مؤمناً ــ أعمق الإيمان ــ بأنه قضية حياة أو موت ، لكن قلقه يدفعه لإعادة النظر فى إيمانه هذا، وقد تؤدى به إعادة النظر تلك للتخلى عنه، ليحل محله ــ على الفور ــ إيمان جديد، يحمله ويمضى به من جديد.
ويقول فاروق عبد القادر: عند يوسف إدريس التوقف هو موت، والحركة بركة، ولحظة الإبداع مراوغة شموس، ما أن تقبض عليـها ــ بنصف وضوح حتي! ــ حتى تسارع إلى تقييدها فى حروف وكلمات، وأفضل أعماله ــ فى نظره هو ــ هى التى كتبها "فى حالة هاجس أو انتشاء، وفى جلسة واحدة " .

إن هذا التكوين الشخصى المتفرد ــ يضيف فاروق عبد القادر ــ وراء امتياز يوسف إدريس فى فن القصة القصيرة، فهى فن اقتناص اللحظة الخاطرة، الصورة، فن طيِّع لأقصى حدود الطواعية، منوع لا حد لتنوعه ولا ضفاف، وقد أفاد يوسف من هذا كله، فما أرحب العالم الذى تنفتح عليه قصصه، وما أشد غناه وخصوبته وتنوعه! ويقول عبد القادر: هذا التكوين ذاته قد لا يتيح له العكوف على عمل كبير واحد، رسم خطته مسبقاً، وهو ينفذها جزءاً صغيراً بعد جزء صغير، بعبارة أخري: إنه ليس معمارياً، ولا صانعاً حاذقاً، قدر ما هو موهوب عظيم الموهبة، وُهب عيناً لاقطة وذاكرة واعية، وقدرة هائلة على انتقاء التفاصيل، وحساً رائقاً بالفكاهة "الصافية فى أعماله الأولي، المريرة فى الأخيرة "، وجرأة على اللغة وكليشيهاتها المستخدمة، وتطويراً خصباً للعامية: ألفاظاً وتعبيرات وصيغاً وصوراً .

ومن هنا ــ كما يرى فاروق عبد القادر ــ فقد بقى ما أنجزه يوسف إدريس فى القصة القصيرة أكثر وضوحاً وبقاءً وتأثيراً مما أنجزه فى فن الرواية، ولعل أفضل ما فى هذا الأخير لوحات أو مشاهد أو تحليلات لمشاعر ومواقف، يمكن أن تستقل، وحـدها، عن البنـاء ــ غير المحكم ــ للعمل الروائي.

وقد حفلت قصص يوسف إدريس ــ يقول عبد القادر ــ بحشد هائل من الأبطال الذين دخلوا إلى التعبير الأدبى فى المصرية للمرة الأولي، حشد هائل من الفلاحين الفقراء والعاملين العاطلين والعاملين الهامشيين وعمال التراحيل والموظفين الصغار وشيوخ القرى وأبناء الليل ومالكى الفدان أو أقل، والذين لا يملكون إلا عافيتهم وفؤوسـهم، مرضى الأجساد والعقول فى البيوت الطينية أو على أسِرة المستشفيات، أطفال وصبية ومراهقين فى المدارس والحقول وأماكن العمل وشوارع المدينة، نساء فى البيوت ونساء بلا بيوت، مساجين وعسكر داخل الأسوار العالية التى تعزل الجميع عن الحياة فيجعلون لأنفسهم حياة أخرى بديلة، وفى أعماله الأخيرة أُضيف لهؤلاء جميعاً أبطال آخرون: أساتذة فى الجامعة وأطباء كبار ومسؤولون بين أيديهم الحل والعقد. ويقول فاروق عبد القادر فى كتابه: تأخذ معظم القصص ــ لنقل أفضل النماذج ــ شكلاً بنائياً متقارباً: يبدأ الكاتب من نقطة، ويدور دورة كاملة حتى يعود إليها، وقد اغتنى الموقف القصصى بكل التفاصيل المنتقاة والمتراكمة.

إنه لا يترك هذه النقطة، أو يتجاوزها امتداداً أو يحلق فوقها، لكنه يوالى الحفر فيها حتى يصل أعماق اللحظة النفسية المشتبكة بجذور الشخصية، بمبرر وجودها ذاته، من ناحية، ودلالة واقع اجتماعى يشملها، ويحدد لها استجاباتها وردود أفعالها، وعلاقاتها بالآخرين، من الناحية الثانية. وتنتظم قصص يوسف إدريس فى منظومات رئيسية كبري، وأخرى ثانوية أصغر، ولعل أهل المنظومات الأولى تلك التى تتمثل فى علاقة الفرد بالجماعة، والعلاقة بالمرأة والجنس، ثم تحولات الواقع السياسى الاجتماعى ودلالاتها المتعددة .