الشريعة الإسلامية والشنيعة العلمانية... دستور ياإخوانا

ليست خناقة هي .. وليست معركة فكرية ندخلها من باب الترف والحذلقة .. كما أن الخاسر فيها ليس هو البليد قليل الحجة .. أو الكاسب هو أبو المفهومية والفتاكة .. بل إن الكاسب والخاسر في كلتا الحالتين .. هي بلادنا بتاريخها وحضارتها ومرجعيتها ... وإذا كان الحديث عن الشريعة الإسلامية قد إزداد في الآونة الأخيرة ـ بمناسبة التعديلات الدستورية ـ بين من يتمسك بها ومن يرغب في إبعادها عن واقعنا .. إلا أنه من الملاحظ أن الحديث يقفز على حقائق هامة ويتجاوز أمورا فارقة .. .. ذلك أن لكل أمة ثوابت ... وثوابت هذه الأمة مستمدة في مجملها من الشريعة الإسلامية .. بل إن الإسلام هو ثابتها الأكبر ..ومن يقرأعن الشريعة الإسلامية يعلم أنها نظام نسيج وحده يصدر عن الإسلام لاتنفصل فيه الشريعة عن العقيدة .. ومؤدى ذلك أن النص في الدستور على جعل مبادىء الشريعة الإسلامية مصدرا رئيسيا للتشريع لم يكن إلا تعبيرا عن واقع عاشته الأمة عبر قرون ..عقيدة وشريعة .. إذ لم تكن الشريعة غائبة عن أمتنا ولم نكن نتحاكم لغيرها .. والذي يطالع ماأخرجته لنا كتب التاريخ يجد أن المتحدثين عن نهضة مصر الحديثة ينطلقون في حديثهم من فرضية غير صحيحة تقول إن محمد علي قدم إلى مصر والفوضى ضاربة أطنابها في نواحي الحياة جميعا وأنه رغب قي إصلاح حال القضاء فاتجه إلى الإقتباس عن القانون الفرنسي فكانت بداية التقنين الغربي في عهده وواقع الأمر أنه كان حاكما أراد حكم البلاد خالصا لنفسه ولأولاده وأتباعه فكان لابد من العمل على إستبعاد الشريعة الإسلامية التي تجعل الحكم بيعة ( وكأن من يريد توريث الحكم في مصر يتجه تلقائيا إلى محاولة إلغاء التحاكم إلى الشريعة الإسلامية !! )..ومن ناحية أخرى فإن محمد علي أراد إرضاء الأجانب الذين قدموا بتجارتهم إلى مصر .. فكان وعده لهم بالتحاكم إلى قوانينهم وإقصاء قوانين البلاد وشريعتها عن حكم معاملاتهم ( حاكم يريد توريث حكم البلاد لعائلته .. ويتساند للأجانب في ذلك .. فيلم يتكرر يصورة مملة ) ولما أستحكم نفوذهم ـ أي نفوذ الأجانب ـ في مصر ومكنتهم لائحة 7 صفر سنة 1284 الموافق 10 يونيو سنة 1867 من ملكية الاراضي والعقارات المبنية أمكن في ذات السنة لنوبار باشا الأرمني بوزارته الأوروبية من إنشاء المحاكم المختلطة وعهد نوبار إلى محامي فرنسي يدعى مانوري كان يعمل لديه بدائرة أعماله بالأسكندرية ترجمة قوانين نابليون.. وفرغ هذا المحامي من عمله في خلال ستة أشهر ..حيث قدم لنوبار ترجمة سقيمة مخلة ركيكة أصبحت قانونا للبلاد ... فلم يكن هذا تقنينا مصريا وإنما هو بضاعة مستوردة من الخارج .. وبه حلت الكارثة بمصر وماتزال تعاني من آثارها حتى الآن .
ولأننا كنا كحكة .. أو فطيرة .. قام الإنجليز بالتهامنا ـ إحتلالنا ـ وأصبحنا تابعين لوزارة المستعمرات البريطانية ( حاليا تابعين للبيت الابيض ) وفي ظل الإحتلال قام قاضي ايطالي يدعى موريوندو بانشاء نظام المحاكم الاهلية ووضع تقنينا فيه سمات القانون الأمريكي والقانون الإنجليزي مطعما بالمبادىء الفرنسية في بعض المواضع ( هامبورجر على بيتسا وكرواساه وفطيرة بالزبدة ) وأغفل في القانون الإشارة إلى الشريعة الإسلامية حيث اسقطها من حسابه تماما ـ والجاهل يعذر بجهله ـ ومن عجب أضطر القضاء المختلط في كثير من الأحايين الى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية ..( لم يجد حلا في قوانين بلاده ووجد أن الإسلام هو الحل .. هذا ليس شعارا .. ولكنه تاريخ قانون !! )
هل تريد مثلا .. خذ عندك ياسيدي .. فالمادة 27 من القانون المدني المختلط ( نصها مأخوذ نقل مسطرة من قوانين أمريكا الحرة ) كانت تنص على إطلاق حق الملكية بلا قيود ..إلا أن الخواجة مانولي عندما أراد أن يطبق هذا النص في مصر وجد أن واقع البلاد يختلف عن واقع ( من الوقوع ) أمريكا والبلاد المتقدمة !! لذلك إضطر الخواجة مانولي وأصحابه من القضاة الأجانب إلى وضع قيود مأخوذة من الفقه الحنفي اتساقا مع مفهوم الشريعة للملكية وأنها يجب ألا تتعدى على حقوق الآخرين ( أمريكا والبلاد المتقدمة وصلت لما فهمه أبوحنيفة عن الملكية في الإسلام .. ولكنهم أخذوا وقتهم إلى أن فهموا !! ) ياسلام .. ياأصحاب الحداثة والنقل عن طريق الشف من حضارات الغرب وكأننا عالة على حضارات العالم وكأننا لم نكن !! هل تعرفون ماهي قمة المأساة ... قمة المأساة أن يحكم شعب مغلوب بقانون شعب غالب فإن من شأن ذلك أن تنفصم شخصيته ويعجز عن أي حركة مؤثرة في الأتجاه الصحيح , ذلك أن الحق ذاته عقيدة عند صاحبه فقيمة الحق من قيمة العقيدة لديه... ومن هنا تأتي مشروعية القوة لحمايته... ( أبو القاسم الشابي سبق الجميع وقال من قبل .. لاعدل إلا إن تعادلت القوى وتصادم الإرهاب بالإرهاب ) فاذا انفصل الحق عن العقيدة كان مجرد قوة مسلطة جائرة ( مثل أمريكا مثلا ) .. نعود للشريعة .. قانون أجنبي غير متسق مع واقع البلاد ... وقانون من لحمنا ودمنا غائب .. فكان التناقض ومن هنا بان عجز القوانين المختلطة عن حماية الحقوق المتنازع فيها فدعت الضرورة إلى الرجوع لأحكام الشريعة .. ثم عندما بدىء في مفاوضة الدول الأجنبية على الغاء الامتيازات أصدر وزير العدل آنذاك وكان على ماهر قرارا بتشكيل لجنة لاعداد القانون المدني وكانت اللجنة مشكلة من عضوين هما السنهوري باشا وأستاذه لامبير استاذ القانون المدني الفرنسي حيث وضعا مشروع القانون المدني ومنه المادة الأولى التي أشارت إلى الشريعة الإسلامية .. ولكن للأسف كمصدر فرعي .. ثالث .. ثم سافر لامبير إلى بلاده واستقل السنهوري بوضع القانون وكانت فرصة للسنهوري أن ينتصر للشريعة الاسلامية ـ فقد كان أحد أكبر المدافعين عنها في مؤتمر القانون المقارن بلاهاي والذي أثمر عن اعتماد الشريعة الاسلامية باعتبارها من الشرائع المتكاملة في العالم ـ وطبع السنهوري مشروع القانون عام 1942 ثم صدر قرار بتشكيل لجنة برئاسته لتنقيج المشروع عام 1945 ووافق مجلس النواب على القانون في 5 يوليو 1984 وكان هو صاحب اليد الطولى في وضع القانون ..ولكن للأسف خاب الأمل في السنهوري إذ أنه إتجه إلى وضع تشريع روماني في أساسه أقتبس العديد من مواده من عشرين مصدرا من مصادر القوانين الغربية كما اقتبس من الشريعة الإسلامية بعض النظم مثل نظام الشفعة فجاء التقنين المدني أنخابا من شرائع مختلفة وكان رفضه حاسما من مبدأ الأمر أن تكون الشريعة الإسلامية مصدرا رسميا رئيسيا للقانون .. لم يختلف الأمر إذن مع السنهوري .. فليس هناك من فرق كبير بين تقنين اجنبي يستبعد الشريعة الاسلامية صراحة وبين تقنين مصري يستبعدها ضمنا ويلتف حول المعنى .. ثم نفخ الله في صورتنا وجاء المشرع الدستوري لكي ينص في المادة الثانية من الدستور على أن مبادىء الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع .. صحيح النص جاء ناقصا .. وصحيح أن تطبيقه لم يكن تطبيقا حاسما .. إلا أنه بالرغم من ذلك مازال أنصار الشنيعة يحاربون تطبيق الشريعة .. دستور يااخوانا
ثروت الخرباوي